أبي منصور الماتريدي

537

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة ، صلوات الله عليهم . ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام - : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ إبراهيم : 40 ] . وقوله لموسى وهارون : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً إلى قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [ يونس : 87 ] . وقول عيسى : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ مريم : 31 ] ، وقوله : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ [ المائدة : 12 ] . وذلك - والله أعلم - أن الصلاة قربة فيما بين العبد وبين ربه ، تجمع جميع أفعال الخير ، وفيها غاية منتهى الخضوع له ، والطاعة : من القيام بين يديه ، والمناجاة فيه ، والركوع له ، والسجود على الأرض ، وتعفير الوجه فيها حتى لو أن أحدا ممن خلص دينه لله لو أعطى ما في الدنيا على أن يعفّر وجهه في الأرض لأحد من الخلق ما فعل ، وبالله التوفيق . والزكاة فيما بين العبد وبين الخلق ؛ لتآلف القلوب واجتماعها ، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة « 1 » .

--> ( 1 ) إيتاء الزكاة كان مشروعا في ملل الأنبياء السابقين ، قال الله - تعالى - في حق إبراهيم وآله - عليهم الصلاة والسلام - : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [ الأنبياء : 73 ] . وشرع للمسلمين إيتاء الصدقة للفقراء ، منذ العهد المكي ، كما في قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 11 - 16 ] وبعض الآيات المكية جعلت للفقراء في أموال المؤمنين حقا معلوما ، كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ المعارج : 25 - 26 ] . وقال ابن حجر : اختلف في أول فرض الزكاة : فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة ، وادعى ابن خزيمة في ( صحيحه ) أن فرضها كان قبل الهجرة . واحتج بقول جعفر للنجاشي : « ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام » ويحمل على أنه كان يأمر بذلك في الجملة ، ولا يلزم أن يكون المراد : هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول . قال : ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة ؛ لأن الآية الدالة على فرضيّته مدنية بلا خلاف ، وثبت من حديث قيس بن سعد قال : « أمرنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ، ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهانا ، ونحن نفعله » . ويظهر فضل الزكاة من أوجه : - اقترانها بالصلاة في كتاب الله تعالى ، فحيثما ورد الأمر بالصلاة اقترن به الأمر بالزكاة ، من ذلك قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [ البقرة : 110 ] ، ومن هنا قال أبو بكر في قتال مانعى الزكاة : « والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، إنها لقرينتها في كتاب الله » . - أنها ثالث أركان الإسلام الخمسة ؛ لما في الحديث : « بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت » . -